06 - 05 - 2026

إبداعات | البقاء للأنثى .. قصة قصيرة

إبداعات | البقاء للأنثى .. قصة قصيرة

حين خرجت من البيت، وتوجهت إلى الشارع الرئيس، وجدت أخت جاري الأخير في الشارع ومعها مجموعة كبيرة من السيدات يتشحن بالسواد، ويمشين حاملات ملابس كثيرة، تجاهلتهن ومضيت إلى طريقي، بعد نصف ساعة اتصلت بي زوجتي لتخبرني بوفاة والدة جارنا الأخير في الشارع، وطلبت الحضور بسبب توافد الناس في الشارع.

عدت للشارع، وكانت الساعة تقارب الثالثة ظهراً، لم يكن هناك زحاماً مثل حالات الوفاة الأخرى، ربما يكون الناس قد نسوا وجود هذه السيدة، علمت من الهمسات المنتشرة في الشارع أنها قاربت الثمانين عاماً، حين خرج جارنا، سألته عن موعد الدفن بعد أن قدَّمت له واجب العزاء، فقال: الدفن غداً في العاشرة صباحاً؛ لأن أختي قالت اتركوها تبيت معي ليلة أخرى.

فسألته: ومتى ماتت؟

أجاب: العاشرة صباحاً.

فقلت: كان يمكن دفنها عقب صلاة المغرب، ولا تبيت ليلة كاملة، هل ستتعشى مع أختك؟

قال: أختي لها سطوة كبيرة في التصرف، وما عليَّ إلا الامتثال.

فقلت له: إن كنت نويت الدفن غداً، فلتكن عقب صلاة الظهر؛ لأن غداً الأحد، وكل الموظفين سيذهبون إلى أعمالهم ولن يتغيب أحد عن عمله، خاصة أننا عائدون من أجازة العيد، وقبلها رمضان، فلو دفنت عقب صلاة الظهر، سيجتمع خلق كثيرون للدفن والصلاة عليها.

قال: سأعرض عليها.

حين دخلتُ البيت سألتني زوجتي عما سنفعل، فأخبرتها أننا سنفعل الواجب.

فكتبت قائمة طلبات خرجت لإحضارها.

في اليوم التالي، ذهبتُ للعمل، وعدتُ مبكراً، ودخلتُ المسجد قبل صلاة الظهر بزمنٍ طويلٍ، وأخذ الإمامُ يلقي كلمة عن فضائل الموت، وحال الإنسان بعد الموت، ولماذا كتبه الله علينا.

كانت الناس كثيرة كما توقعت، وعقب الانتهاء من مراسم الدفن عدت للبيت لتناول الغداء، والوقوف إلى جانب جارنا الأخير في الشارع، وجدتُ بجوار منزلنا عدداً من السيدات المتشحات بالسواد، وفي الغالب يكون اللون الأسود مع جمال النساء مظهراً للحزن، إلا أنه يمتلئ بنواحي جمال خفية لا تخطؤها العينُ.

ولكل مكان في العالم طقوسه في التعبير عن الحزن والحداد، لكننا نتميز باللون الأسود الذي يضيء وجه النساء ذوات البشرة البيضاء.

وبجوار بيتنا وجدت سيدات متقدمات في السن، وكانت أمي ذات الاثنين والسبعين ربيعاً تجلس ناحية بوابة البيت، فسمعت إحداهن تسأل: كم عمرك يا أمينة؟

فقالت بهدوء شديد، لكن فيه حيوية: خمسة وثمانون عاماً.

فسألت جارتها: وأنتِ يا هنية؟

قال: ستة وثمانون عاماً؟

فسألت أمينة صاحبة الأسئلة: وأنتِ كم عمرك؟

قالت: أنتم كلكم عمركم صغير في السن، أنا عندي أربعة وتسعون عاماً.

ثم سألت أمي: وكم عمركِ أنتِ؟

قالت أمي: أنا أصغركن سناً، فأنا عندي أكثر من السبعين عامان فقط.

قالت أمينة: وكم كان عمر بسيمة الله يرحمها.

قالت هنية: خمسة وتسعون عاماً.

قالت الحاجة الكبيرة: الله يطمئن قلبكِ، ويرحمها.

قالت أمينة: الحاجة أم الدكتور محمود عندها مائة عام وخمسة أعوام.

نادت زوجتي عليَّ، وقطعت إنصاتي لهذا الحديث الممتع.

ولما لحقت أمي بي قالت: هل رأيت أنني عصفورة صغيرة في هذا العزاء، المتوفاة عمرها خمسة وتسعون عاماً، ولدينا في القرية من تجاوزت المائة وتعيش بصحة جيدة.

فقلت لها: نعم.. العمر الطويل لكنَّ، وكلكنَّ أرامل، أفنيتن الرجال مبكراً، وخلت لكنَّ الحياة، أطال الله أعماركنَّ في الصحة والعافية.

قالت زوجتي بعد أن سردت لها ما حدث في الخارج: الحمد لله اطمأن قلبي، فنساء هذه القرية معمرات، وأغلب الرجال يموتون قبل النساء.

فقلتُ لها: هذا ما قاله العالم الكبير تشارلز دارون في كتابه أصل الأنواع، حين قال: إن البقاء للأنثى في هذا العالم.

قالت مصححة، بل قال: البقاء للأقوى.

فقلت: الأنثى هي الأقوى، لكن المجتمعات الذكورية قررت ترجمة كلام الرجل ليصبح البقاء للأقوى، وهل هناك أقوى من الأنثى؟ هي التي تلد الحياة، وتملأها، وحين تموت تنطفئ الحياة، أما الرجال فهم عابرون في رحلتها الطويلة، لنا الله تعالى.
----------------------------
بقلم: علاء الدين سعد جاويش